حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
185
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ، وأيضا لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها ، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات ، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا . فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض ، وهاهنا نكتة ، كأن اللّه تعالى يقول : لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير ، لكني أدير الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه . أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله اللّه سببا لإقامة الفصول الأربعة . ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار ، ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن . وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء ، وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد . وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة . وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلا قليلا للشتاء . وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت الشرعية ، ومنه تحصيل النماء والرواء ، وقد جعل اللّه تعالى في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة . يحكى أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده ، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر فقال : إن اللّه صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك ، فإذا شاء نورك وإذا شاء كوّرك ، فلا أعلم مزيدا أساله لك ، ولئن أهديت إليّ سرورا لقد أهدى اللّه إليك نورا ثم أنشأ يقول : ما ذا أقول وقولي فيك ذو قصر * وقد كفيتني التفصيل والجملا إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا * أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا وقد كان في العرب من يذم القمر ويقول : القمر يدرك الهارب ، ويهتك العاشق ، ويبلي الكتان ، ويهرم الشاب ، وينسي ذكر الأحباب ، ويقرب الدين ، ويدني الحين . وكيفية ارتباط القمر وسائر الكواكب بالشمس وكمية حركتها وبيان اختلافات أوضاعها وعلل كل منها ، فن برأسه لا يحتمل إيراده هاهنا . قال الجاحظ : إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه . فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة كالمصابيح ، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه ، وضروب النبات مهيئات لمنافعه ، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه ، فهذه جملة واضحة دالة على أن